السيد علي الطباطبائي

153

رياض المسائل ( ط . ق )

والمناقشة في الدلالة واهية واختلفوا في كون النية شرطا أو جزء فالذي اختاره الماتن هنا وكثير الأول قال في المنتهى لأن الشرط ما يقف عليه تأثير المؤثر أو ما يقف عليه صحة الفعل وهذا متحقق فيها وأيضا فإنها تقع مقارنة لأول جزء من الصلاة أعني التكبير أو سابقة عليه فلا يكون جزء وهما ضعيفان كأكثر الوجوه المستدل بها على القولين وقد فرع عليهما أمور لا يتفرع بعضها عليهما وبعضها قليل الفائدة وحيث كانت المسألة بهذه المثابة كانت الفائدة في تحقيقها قليلة فالإعراض عن الإطالة فيها أولى والاشتغال بتحقيق ما هواهم أحرى وهو أنه لا بد في النية من نية القربة وهي غاية الفعل المتعبد به قرب الشرف لا الزمان والمكان لتنزهه تعالى عنهما ولو جعلها اللَّه تعالى كفى والتعيين من ظهر وعصر أو غيرهما والوجوب إن كان واجبا والندب إن كان مندوبا والأداء إذا كان في الوقت والقضاء إذا كان في خارجه ولا إشكال في اعتبار الأولين لما مضى في أولهما ودعوى الفاضل في التذكرة وغيره في الثاني إجماعنا ونفى عنه الخلاف في المنتهى وهو الحجة مضافا إلى أن الفعل إذا كان مما يمكن وقوعه على وجوه متعددة افتقر اختصاصه بأحدها إلى النية وإلا لكان صرفه إلى البعض دون البعض ترجيحا من غير مرجح مع أن الامتثال عرفا متوقف عليه جدا ومنه يظهر الوجه في عدم الإشكال في اعتبار البواقي حيث يكون الذمة مشغولة بكل من الواجب والمندوب أو الأداء والقضاء إذ مع عدم تشخيص المتعبد به المشترك بين هذه الأفراد بأحد مشخصاتها لم يصدق الامتثال عرفا مطلقا ولو صرف إلى بعض الأفراد بعده مع أنه ترجيح من غير مرجح كما مضى وأما مع تشخيص الفعل في الواقع شرعا فمشكل جدا وإليه أشار بعض الأفاضل فقال بعد نقل الاستدلال من الجماعة على اعتبار الفصول الباقية بأن جنس الفعل لا يستلزم وجوده إلا بالنية فكل ما أمكن أن يقع على أكثر من وجه واحد افتقر اختصاصه بأحد الوجوه إلى النية فينوي الظهر مثلا ليتميز عن بقية الصلاة والفرض ليتميز عن إيقاعه ندبا كمن صلى منفردا ثم أدرك الجماعة وكونها أداء ليتميز عن القضاء ما صورته وهو استدلال ضعيف فإن صلاة الظهر مثلا لا يمكن وقوعها من المكلف في وقت واحد على وجهي الوجوب والندب ليعتبر تمييز أحدهما من الآخر لأن من صلى الفريضة ابتداء لا تكون صلاته إلا واجبة ومن أعادها ثانيا لا تقع إلا مندوبة وقريب من ذلك الكلام في الأداء والقضاء أقول ويمكن أن يقال إن مرادهم من الإمكان الإمكان بحسب النية لا بحسب الشريعة وعليه فيمكن وقوع صلاة الظهر الواجبة على جهة الندب بحسب قصد المكلف إما عمدا أو سهوا أو جهلا ولا ريب أنها بهذه الجهة وهذه الصفة غير مأمور بها في الشريعة فتكون فاسدة كما أنه لو صلاها بقصد العصر فسدت وكذلك الكلام لو صلاها أداء زاعما بقاء الوقت مع خروجه أو قضاء زاعما خروجه مع بقائه بطلت أيضا كما صرح به في المنتهى جاعلا له من فروع المسألة مشعرا بعدم الخلاف في الأصل بيننا بل عن ظاهر التذكرة أن عليه إجماعنا وهو الحجة المؤيدة بالشهرة العظيمة حتى ممن تأمل في اعتبار قصد الوجه في الطهارة كشيخنا الشهيد الثاني في الروضة حيث إن ظاهره في كتاب الطهارة التردد في اعتبار قصد الوجه من الوجوب والندب بل الجزم بعدمه مدعيا عدم الدليل عليه وعدم اشتراك في الوضوء حتى في الوجوب والندب قال لأنه في وقت العبادة الواجبة المشروطة به لا يكون إلا واجبا وبدونه ينتفي وظاهره في هذا الكتاب الجزم باعتباره مطلقا كما هو ظاهر اللمعة قائلا في تقريبه ولما كان القصد متوقفا على تعيين المقصود بوجه ليمكن توجه القصد إليه اعتبر فيها إحضار ذات الصلاة وصفاتها المميزة لها حيث تكون مشتركة والقصد إلى هذا المعين متقربا ويلزم من ذلك كونها معينة الفرض والأداء والقضاء والوجوب والندب ولا يخفى ما بين كلامية في المقامين من التدافع وما ذكرناه من التوجيه لتصحيح نحو الكلام الثاني غير نافع في كلامه الأول لظهوره في أن المراد بالإمكان الإمكان بحسب الشرع لا قصد المكلف وإلا فيمكن وقوع الوضوء أيضا من المكلف بقصد الندب حيث يكون واجبا عليه وبالعكس كما إذا قصد الوضوء بظن دخول الوقت أو تيقنه ثم انكشف عدمه وبالعكس مع أنه صرح بعدم إمكانه على الوجهين وليس إلا من حيث إرادته منه إياه بحسب الواقع وهو جار في المقام كما ذكره عن بعض الأفاضل ولكن الجواب عنه بما عرفت ظاهر لكن يمكن أن يقال إن مقتضاه وجوب قصد الوجه إذا بنى المكلف على التعدد عمدا أو تشريعا مثلا وأما إذا بني على الاتحاد مع كونه في الواقع كذلك وقصده متقربا فقد قصد الذي هو متصف بالوجوب أو الندب لأنه أحضر المنوي المتصف بأحدهما واقعا لأن النية أمر بسيط فيكون ممتثلا وإن لم يخطر بباله كون ما أتى به واجبا أو مندوبا لأن الامتثال يحصل بقصد المأمور به المعين وإن كان الواجب أن لا يخطر ما هو متصف بالوجوب بصفة الندب ولا العكس مع إمكان التأمل في هذا أيضا كما عن الماتن في بعض تحقيقاته في نية الوضوء حيث إنه بعد أن استظهر عدم اشتراط نية الوجه في صحته قال في جملة كلام له وما يقوله المتكلمون من أن الإرادة تؤثر في حسن الفعل وقبحه فإذا نوى الوجوب والوضوء مندوب فقد قصد إيقاع الفعل على غير وجهه كلام شعري ولو كان له حقيقة لكان الناوي مخطئا في النية ولم يكن النية مخرجة للوضوء عن التقرب انتهى وهو في غاية الجودة لكن ينبغي تخصيصه بصورة ما إذا نوى المأمور به المعين في الوقت الذي يفعله وكان واحدا كما فرضنا ولكن الأحوط اعتبار الوجه مطلقا كما ذكروه خروجا عن شبهة الإجماع المؤيدة بالشهرة العظيمة بين الأصحاب وإن خالف فيه جماعة من محققي متأخري المتأخرين واعلم أن شيخنا في الروضة بعد اختياره مذهب الأصحاب وتحقيقه الأمر في النية قال ولنعم ما قال وقد تلخص من ذلك أن المعتبر في النية أن يخطر بباله مثلا صلاة الظهر الواجبة المؤداة ويقصد فعلها اللَّه تعالى وهذا أمر سهل وتكليف يسير قبل أن ينفك عن ذهن المكلف عند إرادة الصلاة وكذا غيرها وتجشمها زيادة على ذلك وسواس شيطاني قد أمرنا بالاستعاذة منه والبعد عنه ولا يشترط نية القصر والإتمام مطلقا ولو كان المصلي المدلول عليه بالمقام مخيرا بينهما فيما جزم به كثير من الأصحاب على الظاهر المصرح به في الذكرى واستدل عليه في المنتهى فقال أما في مواضع لزوم أحدهما فلا يفتقر إلى نيته لأن الفرض متعين له وأما في مواضع التخيير كالمسافر في أحد المواطن الأربعة فلا يتعين أحدهما بالنية بل جائز له أن يقتصر على الركعتين وجائز أن يتم فلا يحتاج إلى التعيين وقريب منه كلام المحقق الثاني في شرح القواعد وهو حسن على ما قدمناه إلا أن في التعليل الأول منافاة لما ذكروه في اشتراط نية الوجه من اشتراك المتعبد به بين فصوله لا يتعين لأحدها إلا بنيته بناء على ما وجهناه به من أن المراد بالاشتراك الاشتراك بحسب نية المكلف لا الواقع وهذا الوجه جار في المقام لإمكان أن ينوي ما كلف به من قصر وإتمام بضده والفرض أن التعيين